محمد عزة دروزة
139
التفسير الحديث
وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه فَذَرْهُمْ وما يَفْتَرُونَ ‹ 112 › ولِتَصْغى إِلَيْه أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْه ولِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ‹ 113 › « 1 » ولتصغي إليه : ولتميل إليه . تعليق على الآية * ( وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ ) * في الآيات تقرير لمظهر من مظاهر النظام الذي أقام اللَّه عليه الاجتماع البشري . وهو أن ينبري لكل نبي عدو من شياطين الإنس والجن فيوحي بعضهم إلى بعض بالوساوس وتزيين الباطل بزخرف القول للتغرير والخداع . وقد تضمنت الفقرة الأخيرة من الآية ثم الآية الثانية تسلية وتطمينا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم : فعليه أن لا يأبه بمن انبرى له من الشياطين العتاة بل يدعهم وما يفترون . ولن يكون لهم تأثيرا إلا على الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة فهؤلاء هم الذين تميل قلوبهم إلى ما يقولونه ويزوقونه ويرضون به ليستمروا في اقتراف ما يقترفونه من آثام . أما جملة * ( ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه ) * فجائز أن تكون أسلوبية فيها تتمة للتسلية والتطمين ، وجائز أن تكون بقصد تقرير كون اللَّه عز وجل لو شاء لمنعهم من فعل ما يفعلونه ولكنه تركهم لاختيارهم حتى يستحقوا جزاءهم وفاقا له . وبهذا الشرح المستلهم من فحوى الآيات وروحها لا يبقى إن شاء اللَّه محل للتوهم من ظاهر العبارة بأن اللَّه قد شاء أن يجعل أعداء من الشياطين لكل نبي أرسله . وفي حصر الميل للشياطين ووساوسهم بالذين لا يؤمنون بالآخرة قرينة على صواب التأويل السابق من جهة وتعليل لذلك الميل من جهة أخرى . فلا يميل إلى